حيدر حب الله
768
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
السنّة ما بين القرن الرابع والسابع الهجريّين ، ولاحظنا أنّ التنظير الشيعي كان يتجه نحو نظرية اليقين في السنة معرضا عن الظنّ وأخبار الآحاد ، ولم نلحظ سوى صوت الشيخ الطوسي ( 460 ه ) يعلن تكوين نظرية السنّة المحكيّة الظنيّة وينظّر لها ، وسط اضطراب في الرؤية وبعض التشوّشات الطبيعية برأينا ، والتي تستدعيها الولادات الطبيعية للنظريات الكبرى . كانت مدرسة اليقين هذه تستمدّ عناصر يقينها من جماع السند والمتن ، وكانت العناصر الخارجية تلعب دورا كبيرا في تكوين اليقين بالسنّة المنقولة ، فالإجماع ، وعمل الأصحاب ، وتداول النصّ في مصادر كثيرة ، وعدم وجود المعارض له و . . عناصر متراكمة تصنع عند العالم والفقيه اليقين بالنصّ نفسه ، إلى جانب نقد المتن وما يستدعيه من ملاحظة موافقته للعقل والكتاب و . . ولعلّه من الطبيعي أن يتضاءل نسبيّا حضور الروايات في الممارسات الاجتهادية لصالح الكتاب تارة والإجماع أخرى ، كما لعلّه من الطبيعي في هذا المناخ أن تستبعد نصوص كثيرة لاعتبارات تحول دون حصول اليقين في النفس ، ففي القرنين الخامس والسادس تنامت النزعات المذهبية بقوّة في بلاد العراق وشاهدنا تصنيفات مذهبية واسعة ، ولعلّ هذا المناخ لعب دورا في استبعاد ابن إدريس الحلّي ( 598 ه ) لجملة نصوص لوجود رواة من غير الإمامية فيها . وهكذا تساقطت النصوص وتهاوت تهاويا نسبيا ، ممّا مهّد الطريق لظهور مدرسة السند التي عرفتها الحلّة وجبل عامل ، بعد مدرسة اليقين التي أسّستها بغداد مع المفيد والمرتضى ، والتي كانت أعقبت مدرسة الحديث في قم والري « 1 » . لقد كانت الإطاحة ببعض النصوص لاعتبارات في رجال السند في تجربة ابن إدريس بمثابة بداية أولى ، سرعان ما أدّى تناميها إلى ظهور عقل رجاليّ نقّاد مع أحمد بن طاوس ( 673 ه ) ، فأسّس التقسيم الرباعي للحديث على ضوء معايير في رجال الأسانيد ، ثم جاء العلامة الحلّي فأعاد تشييد نظرية السنّة الظنيّة المعروفة بخبر الواحد ، لكن التأسيس المجدّد لنظرية السنّة هذه المرّة جاء على أساس معايير سنديّة ، بولغ في العمل بها حتى بلغت مبلغا معروفا مع السيد السند ( 1009 ه ) وصاحب المعالم ( 1011 ه ) . لقد أدّى التقسيم الرباعي للحديث إلى تطبيق معايير سندية تتّسم بطابع من التشدّد ، وتداعى من ذلك خوف من الإفراط في هذا المسير أدّى فيما بعد إلى ظهور الحركة الأخباريّة « 2 » .
--> ( 1 ) - راجع الفصل الثاني من هذا الكتاب . ( 2 ) - راجع الفصل الثالث من الكتاب .